دعوة للسلام في شرق أوسط مضطرب

الصين وصوت العقل في زمن الحروب

 

 

 

 

 

تشو شيوان

في الوقت الحالي تتصاعد الأوضاع في الخليج بشكل حاد، ويشتعل مرة أخرى فتيل الحرب في الشرق الأوسط المضطرب. فقد قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بهجمات عسكرية على إيران دون تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وفي وقت كانت فيه المفاوضات بين طهران وواشنطن لا تزال جارية، وهو ما أدى إلى سقوط العديد من القتلى والجرحى. وفي خضم أصوات القذائف والانفجارات، شهدت مدرسة في إيران حادثة مأساوية أودت بحياة أكثر من 160 فتاة في لحظة واحدة، في مشهد هزّ الضمير الإنساني وأثار حزنًا واسعًا. ومع تسارع وتيرة التصعيد العسكري، باتت المنطقة بأسرها تعيش تحت ظل الحرب، بينما تواجه شعوب دول الخليج تهديدًا متزايدًا لحياتهم وممتلكاتهم.

لم يعد الخطر مقتصرًا على ساحات القتال، بل امتد إلى البنية التحتية المدنية والاقتصاد العالمي، فالمطارات والمنشآت المدنية أصبحت أهدافًا متكررة للهجمات، كما بدأت بعض إنتاجات النفط والغاز في المنطقة بالتراجع نتيجة المخاطر الأمنية المتزايدة كذلك أصبحت طرق الملاحة الحيوية في الخليج وبالقرب من مضيق هرمز مهددة بشكل متزايد، وهو ما يثير قلق الأسواق العالمية، خاصة أن هذه المنطقة تمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وقد شهدت أسواق النفط بالفعل تقلبات حادة في الأسعار، فيما يواجه استقرار سلاسل الإنتاج والإمدادات العالمية تحديات غير مسبوقة. وبرأيي، فإن ما يحدث اليوم لا يهدد الشرق الأوسط وحده، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأكمله.

هذه حرب كان يجب ألا تحدث، وهي حرب لا يُمكن أن يخرج منها أي طرف رابحًا. تاريخ الشرق الأوسط مليء بالدروس التي تؤكد أن القوة العسكرية لا تحل الأزمات السياسية، بل تزيدها تعقيدًا. ومع ذلك، لا يزال هناك من يعتقد أن "القوة هي الحق"، وأن التفوق العسكري يمكن أن يفرض الاستقرار. غير أنني أجد أن هذه الرؤية تتجاهل حقيقة أساسية: القوة إذا لم تقترن بالحكمة والأخلاق السياسية قد تتحول إلى مصدر للفوضى بدلًا من أن تكون أداة لحفظ النظام. فالسعي وراء أمن مطلق لطرف واحد فقط، مع تجاهل المخاوف الأمنية للآخرين، يؤدي حتمًا إلى اختلال التوازن الإقليمي ويفتح الباب أمام صراعات لا تنتهي.

إن الحروب المتكررة في الشرق الأوسط تطرح أسئلة عميقة حول مستقبل النظام الدولي. فإذا استمر السماح لبعض القوى الكبرى باستخدام القوة العسكرية بشكل أحادي، فكيف يمكن الحفاظ على سلطة القانون الدولي؟ وكيف يمكن حماية سيادة الدول؟ وهل سيظل النظام العالمي قادرًا على الاستمرار إذا أصبحت القوة العسكرية بديلًا عن الشرعية الدولية؟ هذه الأسئلة ليست نظرية، بل تمس مستقبل الاستقرار العالمي. ففي عالم مترابط اقتصاديًا وسياسيًا، لا يمكن لأي منطقة أن تنعزل عن تداعيات الحروب الكبرى.

في خضم هذه الأزمة، أجد أن موقف الصين يعكس رؤية مختلفة للتعامل مع الصراعات الدولية. فقد أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي، وهو عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، خلال مواقف وتصريحات رسمية أن الحل العسكري لن يقود إلى السلام، داعيًا إلى وقف فوري للأعمال العسكرية والعودة إلى الحوار والتفاوض. كما أجرى اتصالات مكثفة مع وزراء خارجية إيران وإسرائيل ودول الخليج العربية، في محاولة لخفض التصعيد وإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات. وبرأيي، فإن هذا التحرك يعكس إيمان الصين بأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن تحقيقه إلا عبر التوازن والحوار وليس عبر فرض القوة.

وقد شدد الموقف الصيني على مجموعة من المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تشكل أساس النظام الدولي: احترام سيادة الدول، ورفض الاستخدام المفرط للقوة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والسعي إلى حلول سياسية للقضايا الساخنة، إضافة إلى ضرورة أن تلعب الدول الكبرى دورًا بنّاءً في حفظ السلام بدلًا من إشعال الصراعات. كما أكدت الصين أن أي هجوم على المدنيين أو على الأهداف غير العسكرية يجب أن يُدان بوضوح، وأن أمن الملاحة الدولية يجب أن يحظى بالحماية الكاملة.

وفي هذا السياق، يقوم المبعوث الخاص الصيني إلى الشرق الأوسط بزيارات ميدانية إلى عدد من دول الخليج لإجراء مشاورات مباشرة مع الأطراف المعنية، في محاولة لدفع جهود التهدئة وإيجاد مخرج سياسي للأزمة. وبرأيي، فإن هذه الدبلوماسية النشطة تعكس رغبة الصين في لعب دور مسؤول كقوة دولية تدعم الاستقرار والسلام، وليس الصراع.

لقد كانت الصين تاريخيًا شريكًا في تعزيز التنمية والاستقرار في الشرق الأوسط، سواء من خلال التعاون الاقتصادي أو دعم مشاريع البنية التحتية أو تعزيز التبادل التجاري والثقافي. وفي الوقت الذي جلبت فيه بعض السياسات الدولية الحروب والصراعات الجيوسياسية إلى المنطقة، أجد أن الصين تسعى إلى تقديم نموذج مختلف يقوم على الحوار والتعاون والتنمية المشتركة. وربما لهذا السبب تحظى مبادراتها السياسية والاقتصادية بقدر متزايد من الاهتمام في العديد من دول المنطقة.

واليوم، بينما لا يزال الصراع مستمرًا، يبقى الأمل في السلام هو الخيار الأكثر عقلانية. فالحروب قد تبدأ بسرعة، لكنها غالبًا ما تترك جروحًا عميقة تستمر لسنوات طويلة. ومن وجهة نظري، فإن الطريق الحقيقي نحو الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمر عبر المزيد من الصواريخ، بل عبر إعادة بناء الثقة والحوار بين الأطراف المختلفة، والالتزام بالقانون الدولي ومبادئ العدالة.

إن شعوب المنطقة تستحق مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا. ولذلك ستواصل الصين، كما تؤكد مواقفها الرسمية، العمل مع الدول التي تشاركها هذه الرؤية لدفع الجهود الدولية نحو وقف إطلاق النار، واستعادة الاستقرار في الشرق الأوسط، وبناء نظام دولي أكثر عدلًا وتوازنًا يضمن السلام والكرامة لجميع الشعوب.

الأكثر قراءة

z